الصفحـة الرئيسية   الأخبار   المقالات   رياضة   مواقع مهمة   التراث   نافذة على التاريخ الموريتاني Français Tawary Mali   من نحـن   اتصل بنا

 

 

La page précédente

مقبرة شوم الجماعية: هل حان حصاد التعتيم؟!/الشيخ باي ولد الشيخ محمد (رأي حر)
2018-05-05 08:36:00

كانت آمال مجموعة من منقبي الذهب تُمِدُّ كل ضربة مِعْول في الصخور قوة إضافية للحفر في منطقة صلبة في نواحي مركز شوم الإداري التابع لولاية آدرار والذي يقع على بعد 120 كلم شمالي مدينة أطار.

حبات العرق التي تتقاطر ببطئ من جبين كل رجل في المجموعة تحاول مسح كل الخيبات التي تلاحق أعمال الحفر الذي لم يسفر عن الكنز الموعود.

وفجأة.. تسقط جمجمة متدحرجة بين قدمي أحد الرجال، ويصيح: يا رب..! بدا وكأنها انفصلت عن هيكل عظمي تحت وطأة إحدى الضربات.. نظارات الرجال وعمائمهم الساترة من لفح شمس نهاية شهر مارس تحول دون تبين المشهد تماما، فينزعونها، ويا للصدمة!

"جمجمة إنسان مدفون منذ زمن ليس بيسير، فصلها معول طماع وأهدر كرامة ميت كرمه الله في الحياة والممات".. هكذا حدث أغلب الرجال أنفسهم، وقد تبخرت آمال كنز الذهب المفقود مؤقتا لتحل محلها مشاعر مختلطة بالحيرة والشعور بالذنب.

يبدو أن المجموعة وقعت في شرك مدفن أو مقبرة غير شهيرة..! وعلى عجل تنطلق مجموعة من الرجال باتجاه دورية الدرك الموجودة غير بعيد ليعلموهم بالخبر غير السعيد بعد مشاورات قصيرة بينهم.

يعودون مع رجال الدرك الذين يطلبون منهم الابتعاد عن الحفرة ـ وملامح الارتعاب لم تغادر محياهم ـ ويبدأ نبش يسير يؤكد الحقيقة المرة: مقبرة جماعية!

.. ثم يتصل الدركيون برؤسائهم ليعطوهم تفاصيل الاكتشاف، وفجأة تتغير سحنتهم ويأمرون المنقبين عن الذهب بشكل قاطع بالابتعاد من المنطقة بأسرها، فيمتثل الرجال لذلك وأسئلة حيرى لدى كل واحد منهم عاين الجماجم المصدوعة بخروق تشبه رصاصات، وأيادي الهياكل خلف ظهورهم..! فما الذي يعنيه ذلك؟ وما هي هذه المقبرة التي لا علامة عليها، والتي توجد الجثث بها على هذه الهيئة؟!

روى المنقبون ما حصل معهم، وتناقلت الألسن الخبر، وبدا من الموثوق منه المعلومات التالية:

 . أن عدد الجثث المدفونة تعود لستة عشر شخصا ليس هناك ما يشير إلى أن من ضمنها إناثا.

 . أن بعض الجماجم بها آثار تخترقها يعتقد أنها رصاصات.

 . أن الهياكل المكتشفة تظهر بها آثار تعسف مثل وجود اليدين خلف الظهر.

 . أن الدرك أرسل إلى مخابر خارج البلاد عينات من الهياكل لفحص الحمض النووي لتحديد هوياتها وطبيعة الوفاة.

ردود الفعل:

وصلت الأخبار إلى مسامع المجتمع المدني والهيئات السياسية، فطفقت تتحرى عن الخبر، وتحاول التحقيق من مصادرها بوسائلها خاصة وبرزت ردود الأفعال التالية:

· طالبت الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان السلطات الموريتانية بفتح تحقيق جدي حول المقبرة، وتعهدت بمتابعة الموضوع، ولم تستبعد أن تكون تلك المقبرة لضحايا زنوج من عمال سنيم في مطلع التسعينيات.

· طالب حزب قوى التغيير (فلام سابقا) المجتمع المدني بالتحرك للضغط على السلطات من أجل التحقيق في المقبرة وكشف ملابساتها.

· أكدت حركة لا تلمس جنسيتي المعلومات المتعلقة باكتشاف المقبرة من مصادر من الدرك داعية السلطات إلى كشف الحقيقة حولها.

· نفى الناطق باسم الحكومة وزير الثقافة محمد الامين ولد الشيخ وجود المقبرة معتبرا أن هذا الموضوع أسبوعين تقريبا بعد الحادثة، وقال بأن الأمر لا يعدو كونه مزايدة سياسية في وجه الانتخابات. خلفية:

اتضح من المواقف وردود الأفعال على اكتشاف مقبرة شوم أن الاحتمال الأول المطروح لتفسير وجودها هو أنها من ضمن المقابر الجماعية التي تمت فيها تصفية الزنوج خلال او ما عرف بأحداث التصفيات العرقية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وعرفت تلك المعضلة السياسية والحقوقية والاجتماعية في الأدبيات الموريتانية بالإرث الإنساني وقد شملت:

ـ إعدامات لعسكريين ومدنيين ضالعين في محاولة انقلابية فاشلة في 87 في إينال والعزلات.

ـ سجن خارج إطار القانون وأحكام على مدنيين وعسكريين بالسجن في اجريده وولاته.

ـ تصفيات عرقية عام 1991 طالت مدنيين يعتقد أن هذه المقبرة لهم.

ـ إبعاد مواطنين على أساس عرقي إلى دول مجاورة منذ نهاية الثمانينات. وقد ظلت حقيقة تلك التصفيات مضببة بين اتهامات قوى سياسية وحقوقية للنظام الموريتاني دون تقديم أدلة وتعنت النظام الموريتاني في طمس كل الآثار المتعلقة بها من خلال عدم فتح أي تحقيقات أو تسليم أو تقديم المتهمين للمحاكمة وطنيا أو دوليا، وظلت الحقيقة تائهة لعقود.

ولم يتم الاعتراف رسميا بتلك الأحداث إلا خلال المرحلة الانتقالية 2005 ـ 2007 قامت حكومة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بدعوة نشطاء حركة فلام بالعودة للبلاد والمشاركة في المسار الانتقالي وطرح قضية الإرث الإنساني، وهو ما تم فعلا.

ولاحقا بدأت في عهد الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله خطوات في إطار استراتيجية لعودة المواطنين المبعدين، وقدم الجنرال محمد ولد عبد العزيز ـ الذي كان يرأس وقتها المجلس الأعلى للدولة ـ اعتذارا باسم الدولة الموريتانية لضحايا الإرث الإنساني في كيهيدي 2009.

وبدأت إجراءات رامية إلى إعادة دمج المبعدين عن طريق تمليكهم قطعا أرضية ومواشي.. خلاصة:

يحق لنا أن نتساءل بعد هذا الاكتشاف الخطير لتلك المقبرة عن حقيقتها، وبهذا الصدد يمكن تصور عدة احتمالات قابلة للنقاش كلها، وإن كانت الحقائق المتعلقة بهياكل المقبرة هي التي ستحدد ورود أي احتمال من عدمه، وفي ظل النفي المسبق من الحكومة لوجود المقبرة تبقى أسس التخمين قائمة على المعطيات المتوفرة لدى المنظمات التي أكدت وجود المقبرة، ولن يحسم هذا الجدل إلا نتيجة فحص العينات التي أرسلت إلى مخابر أجنبية بحسب زعم تلك المنظمات.

وفي انتظار ذلك يحق لنا التخمينات التالية كاحتمالات تحصر تفسير وجود مقبرة:

الاحتمال الأول: أنها مقبرة عادية، ومبدئيا يدحضه كونها مقبرة غير معروفة، كما أن هناك مؤشرات بحسب الشهود لعدم وجود تنوع جنسي، فكلها من الرجال.

الاحتمال الثاني: أن تكون المقبرة لضحايا التجارة غير المشروعة والتهريب خلال عقود ماضية تمت تصفيتهم على يد بعض الجماعات على إثر خصومة أو خلاف.

الاحتمال الثالث: أن تكون المقبرة لضحايا إرهابيين جاسوا خلال المنطقة وقاموا بتصفية تلك المجموعة خوفا من إعطاء معلومات عنه قد ترشد الجيوش الرسمية في المنطقة (الموريتاني أو الجزائري).

الاحتمال الرابع: أن تكون المقبرة من مخلفات حرب الصحراء، وهو أمر مستبعد نسبيا، إلا أن تكون إحدى جرائم الحرب التي ارتكبها أحد الأطراف وسعى إلى إخفائها بتلك الطريقة.

الاحتمال الخامس: هو الذي ذهبت إليه الهيئات الحقوقية والسياسية، والذي يعضده روايات عن تصفيات لبعض عمال سنيم من الزنوج خلال التسعينيات على يد نظام ولد الطائع.

ومهما يكن من أمر، فإن أمرا مريعا قد حدث في تلك البقعة قرب شوم، ومن حق الرأي العام الاطلاع عليه، تقديسا للحقيقة، وتكريسا للشفافية.

وفي ظل تجاهل حق عائلات ضحايا الإرث الإنساني في الكشف عن أماكن دفن ذويهم من المدنيين والعسكريين الذين تمت تصفيتهم في تلك الفترة يبقى من حقهم الشك في كل مقبرة جماعية يكشف عنها.

الشيخ باي ولد الشيخ محمد

إعداد الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير
من تاريخ الخيل في موريتانيا
كانت عتاق الخيل في موريتانيا مصدرا للفخر ورمزا للقوة وتجسيدا للسلطة، كانت تعدو في سهول الحوض وتيرس ضَبحا، (...) التفـاصيل

سيدي عبد الله بن انبوجه التيشيتي.. إضافة وتصحيح/سيدي أحمد ولد الأمير باحث موريتاني مقيم في قطر
في مقالتي السابقة تحدثت عن مكتبة الحاج عمر الفريدة أو المكتبة العمرية التي آلت بها المقادير إلى أن أصبحت منذ (...) التفـاصيل

كتاب "امروگْ الحرف".. أول تأليف باللهجة الحسانية/سيدي أحمد ولد الأمير، باحث موريتاني مقيم بقطر
مصدر كتاب "امروگْ الحرف" هي النصوص التي تركها الخلاسي السنغالي القس: دافيد بوالا، والموجود أغلبها بأرشيف (...) التفـاصيل

التسلح في موريتانيا في القرن 19.. مكاسب التجارة ومخاوف السياسة
اطلعت على الكثير من المراسلات التي تمت بين الفرنسيين وبين بعض الأمراء الموريتانيين أو الزعماء، وبين يدي عشرات (...) التفـاصيل

العريف مارت وقرابة ثماني سنوات في محصر الترارزة
قصة العريف في مشاة البحرية الفرنسية "أرنيست مارت" (Caporal d’Infanterie de Marine) في محصر الترارزة، وكيف (...) التفـاصيل

المقــالات