الصفحـة الرئيسية   الأخبار   المقالات   رياضة   مواقع مهمة   التراث   نافذة على التاريخ الموريتاني Français Tawary Mali   من نحـن   اتصل بنا

 

 

La page précédente

المواقع التاريخية الموريتانية وخرائط غوغل
2013-01-01 12:48:16

JPG - 21.3 كيلوبايت
الدكتور سيدي أحمد ولد االأمير

لماذا لا نستفيد من الإمكانات الجغرافية والبحثة الهائلة التي يتيحها موقع غوغل خصوصا منه ما يتعلق بالخرائط والمساحات والأرض أو ما بات يعرف في المواقع الإلكترونية بـ"Google Earth" أو يعرف بـ"Google Maps" في تحديد المواقع التاريخية الوطنية. لا شك أن في ذلك زيادة في التعريف والتدقيق، فخدمتا "Google Earth" أو "Google Maps" المجانيتان ستجعلنا نقترب أكثر من تاريخنا ونطلع جغرافيا وخرائطيا على أجزاء من أخبارنا نعرفها مروية أو مكتوبة لكن هذه الخدمة ستعطي قيمة إضافية ومعنى جديدا حيث تمتزج الجغرافيا بالتاريخ.

وتطبيقا لهذه الحيثية سوف أستعرض تاريخ وقعتين مهمتين من تاريخ بلادنا ارتبطتا بمكانين مشهورين ومعلومين مع إدراج صور خرائطية أخذتهما من البرنامج الخرائطي والجغرافي المعلوماتي "Google Earth". المعركة الأولى التي سأتعرض لها هي معركة الگويشيشي بمنطقة الترارزة أما الثانية فمعركة درگل بمنطقة تگانت.

الگويشيشي.. الرائد ربول يقضي تحت نيران المقاومة الموريتانية

JPG - 108.2 كيلوبايت
موقع لكويشيشي و هو يظهر حسب الاقاما الاصطناعية

الگويشيشي: موضع بمنطقة الزبار بغربي ولاية الترارزة وقعت به معركة من معارك المقاومة في 28 نوفمبر 1908 بين أحمد ولد الديد ومعه البعض من الترارزة وأفراد من قبيلة الرگيبات وبين الفرنسيين بقيادة الرائد ربول (Lieutenant Jean Reboul). وقد توغل أحمد ولد الديد القادم من الشمال داخل منطقة الترارزة وبلغ خبره الفرنسيين فنهض الرائد (يطن) ربول في ثلاثين من الرماة السنغاليين إضافة إلى كتيبة أمير الترارزة أحمد سالم بن إبراهيم السالم، فوصلوا مساء 27 نوفمبر 1908 لتندجمارن وهي موضع قرب سبخة انتررت جنوب قرية تگند (على طريق نواكشوط-روصو). وقد بلغهم أن ولد الديد عند بئر الگويشيشي. فالتحق بهم أفراد من قبيلة العلب وقرروا مهاجمة ولد الديد فجر الـ28 نوفمبر. وكان ولد الديد بعيد النظر خبيرا في الروغان وعارفا بالمنطقة وتضاريسها فاستفاد بمهارة فائقة من كل هذه العناصر. فكمن في كثبان الزبار الساحلية التي تفصل الشاطئ الأطلسي عن سهل آفطوط. وقد مكنه ذلك الموقع الإستراتيجي من مراقبة حركة الجيش المهاجم. فاستطاع مع رفاقه بحكم تسديدهم الدقيق وإتقان الرماية أن يثخنوا الرماة السنغاليين بداية بالقتل. وكان لأحمد ولد الديد قصب السبق في ذلك. وقد قتل الضابط الفرنسي الرائد ربول برمية أصابت رأسه وهو يتقدم نحو المقاومين. ومات من جانب ولد الديد: سيدي بن سيدي بن سيدي أحمد من الدخن ومحمد بن أحمد شار من أولاد السيد وكلاهما من أولاد أحمد بن دمان ومات أيضا اكريفت من أهل أعمر أگدبيجه من تندغة. ومن الجانب الثاني مات عثمان بن إبراهيم اخليل وهو من زعماء أولاد أحمد بن دمان ومات معه ولد أحمد البيظات من أولاد دمان وعدد من الرماة السنغاليين. وقد نقلت جثة الرائد ربول إلى المذرذرة على ثور فنظمت جماعة نقله في أبيات ظريفة تشير إلى أن أحد المواطنين ولم يصرح النظم باسمه بل اكتفى بالإشارة إلى أنه قريب رجل مشهور يلقب "يا قريب" قد تعامل معه الفرنسيون بمبلغ تسع أوقيات لنقل الجثة إلى المذرذرة. يقول النظم في أسلوب ساخر:

إ نَّ قريبَ "يا قريبُ" قد حمـل @ جيفة ذا النصراني لا على جمـل

لكن على ثور له خنفار @ لا لصق الخنَزُ في خنفـار

من عند لگويشيشِـي للمذرْذَرَه @ عظامه من فوقـه مُذَرْذرهْ

والثور هذا إسمه بودمعـا @ سبحان ربي ما أحب النفعَا

عدُّ الأواقي المعطيات في الكِـرا @ كمثل الدب الذي له جَـرى

إشارة إلى قولهم "تِسْعَ گالْ گابُونْ" كما في القصة الشعبية المشهورة عند العامة. وقد سجن الفرنسيون امحمد بن أحمد يوره متهمين إياه بنظم هذه الأبيات والمشهور أنها لجماعة لا لشخص واحد. ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك بقليل. هذا عن المعركة الأولى، أما المعركة الثانية درگل.

درگل... إدوعيش تتوحد لمواجهة الاستعمار عند مدخل تگانت:

PNG - 895.3 كيلوبايت
موقع دركل

كانت بئر درگل الشهيرة بمنطقة اللبة بتگانت على موعد مع التاريخ في نهاية فبرائر 1905 حيث اندلعت بها معركة مدوية من معارك المقاومة الوطنية؛ طرفاها قبيلة إدوعيش بجميع فروعها تحت قيادة الأمير المجاهد بكار بن اسويد أحمد ضد كتيبة فرنسية بقيادة "لَسْترْ دَ رَيْ" (Lestre De Rey).

ما إن وطد "دَ رَيْ" الأمن في معسكره يوم السادس والعشرين من فبرائر 1905 في موضع البدر قرب تامورة النعاج حتى قرر قيادة دورية اتجهت في اليوم الموالي مشرقة نحو درگل ليحمي بذلك ظهره من كتائب إدوعيش المقاومة؛ بحكم كون درگل أحد مداخل جبال تگانت المعروفة.

لم يأخذ "دَ رَيْ"، وهو يتجه نحو درگل، الإذن من القائد العام للحملة الفرنسية بموريتانيا كزافيي كبولاني الذي كان قد وصل مشارف تگانت منذ منتصف فبراير 1905 وأقام بگصر البركه؛ بل تناهت إلى مسامع "دَ رَيْ" شائعات تفيد أن كبولاني نفسه دخل في مفاوضات مع أمير إدوعيش بكار بن اسويد أحمد. وكان السبب الرئيس الذي دفع "دَ رَيْ" إلى التوجه نحو درگل أن قطعان أغنام قبيلة إدوعيش كانت في تلك الجهة ترعى مسارح تامورة النعاج ومراعيها الخصبة، ثم إن غلات الحبوب والزروع المحصنة في مخازن قرب درگل، على بعد أربعين كيلومتر من موضع البدر، قد أسالت لعاب "دَ رَيْ"، فاستسهل الأمر واختار كتيبة من ثمانية وسبعين من خيرة جنوده المعروفين باسم گوميات (أربعون من البيظان والبقية من التكارير حسب فريرجان وقد ذكر آميلهات وراندو أن الكتيبة كانت من عشرين جنديا). واصطحب معه الكثير من الثيران والأوعية الفارغة قاصدا تلك الناحية على عجل ليعود بغنائم تعينه على تدبير شؤون معسكره في البدر بدل انتظار التموين المفترض وصوله من امويت بمنطقة البراكنة. ومع أن بعض عناصر أولاد أحمد، ممن كانوا في الكتيبة، حذروا "دَ رَيْ" من أن قلة عدد جنوده، وسعيهم لجمع الزرع وجعله في الأوعية، ورعايتهم الثيران وسوقها، أمور قد تعرضهم للخطر وتشغل أفراد الكتيبة عن أي هجوم عليها؛ خصوصا وأنهم يعرفون أن أصحاب الأرض من إدوعيش يقظين ومراقبين للوضع، وهذا ما جعل عناصر أولاد أحمد يتنبهون إلى أن عواقب هذه العملية قد لا تكون محمودة. غير أن "دَ رَيْ" لم يعر ذلك النصح اهتماما فلم يصغ للرأي السديد الذي أبداه أولاد أحمد، بل كان في تقديره أن رعاة الغنم ستفر عند رؤية الكتيبة تاركة القطعان نهبا للفرنسيين وجنودهم، وأن حراس المخازن ستتركه يحمل من تلك الغلات ما يشاء ويجعلها معاشا لكتيبته ويحرم منها أصحابها إدوعيش.

في يوم الثلاثاء 28 فبرائر 1905 كان جنود "دَ رَيْ" عند بئر درگل؛ وما كان من حراس المخارن إلا أن توجهوا على الفور نحو الحلة فأخبروا الأمير بكار وجماعته بالأمر، وكانوا نازلين عند آمزوزل على مرمى حجر من درگل. وفي نفس الوقت شرع جنود الكتيبة الفرنسية في جمع الغنائم ونهبها، وكان كل اهتمامهم منصبا على أن يملؤوا الجراب والأوعية بالزرع بعد أن جمعوا قطعان الأغنام الكثيرة؛ فلم يفاجئهم إلا وجيش من مائتي رجل من إدوعيش قد أحاط بهم وهم في غفلتهم ساهون. وكانت إدوعيش قد هبت بسرعة البرق، وقد سمعت أن الفرنسيين دخلوا حريمهم. لم يتخلف في ذلك اليوم أحد من سائر إدوعيش، كما لم يكن معهم أحد من حلفائهم، بل كانوا "مصقولين" كما يقال في الحسانية: أبكاك واشراتيت بمفردهم متحدون تحت قيادة الأمير بكار بن اسويد أحمد. وضعت إدوعيش الكمائن قرب المكان وتقدمت نحو العدو في سرية تامة.

أثار ظهور إدوعيش المباغت الهلع في صفوف گوميات، وكانوا قد حملوا غلات الزرع على ظهور الثيران واستعدوا للعودة نحو البدر بالغنائم، فما كان منهم إلا أن لاذوا بالفرار تاركين قائدهم "دَ رَيْ" عرضة لفوهات مدافع إدوعيش التي لا تعرف الخطأ عند تصويبها.

اشتعلت المعركة وكانت خطة إدوعيش القائمة على الإحاطة بالعدو وإطلاق الرصاص بكثافة وترديد صيحات النصر، كافية لبث الذعر في صفوف گوميات والبحث عن منفذ يمكنهم من الفرار. وقد وقع التحام بين الطرفين بحيث أن بعض الفارين من گوميات كان يرد عن نفسه بعصا في يده.

حاول المترجم صمب انجاي بكل ما أوتي من جهارة صوت أن يرد الفارين من گوميات؛ غير أن نيران رصاص إدوعيش، والخوف المتأصل في نفوس گوميات منهم، كانا أبلغ عند گوميات من توسلات صمب انجاي فتركوا خلفهم ثمانية قتلى من التكارير كما ذكر فريرجان.

صبر جنود أولاد أحمد في ساحة المعركة؛ إلا أن قلة العتاد الذي كان بأيديهم جعل عشرة منهم يسقطون تحت النيران كما ذكر فريرجان أيضا، الذي أكد أن الفرنسيين كانوا يتعمدون التقليل من الرصاص الذي يعطونه لگوميات البيظان خصوصا؛ خوفا من هروبهم به وإعطائه للمقاومة. لذلك كان حظ عناصر أولاد أحمد الموجودين في كتيبة "دَ رَيْ" ذلك اليوم من الرصاص قليلا ومحدودا ومحصيا بدقة.

استمر القتال حتى المساء وانتهت المعركة وقد فقد الفرنسيون ثمانية عشر جنديا، وأصيب قائدهم "دَ رَيْ" إصابة بليغة في أعلى ساقه قريبا من باطن ركبته، وكانت إصابة مؤلمة، كما أصيب بنزيف حاد، وبلغ به الألم والنزيف أن مد يده لمسدسه ليقتل نفسه فيستريح؛ إلا أن دليله محمد فال الكنتي حال بينه وبيه رغبته في الانتحار فأخذ المسدس من يده. بعد ذلك دخل "دَ رَيْ" في إغماء مطبق فما كان من الدليل محمد فال ومن المترجم صمب انجاي إلا أن ضمدا جرحه وحملاه على جمل بعد أن شداه بأعضائه خلف الراحلة كما يشد المتاع.

ومع أنه في تقريره، وكان كتبه بعدما تعافى، لم يذكر أنه حاول الانتحار؛ بل ادعى أن گومياته الهاربين كانوا في غاية الشجاعة، وهو ما سخر منه راندو في كتابه عن كبولاني ونفاه نفيا قاطعا، فلم تُبدِ گومياته أي مقاومة وقد بلغ به الألم والنزيف حدا جعله يفكر في الانتحار وهو في ساحة المعركة.

انجلت معركة درگل الحاسمة عما يناهز العشرين قتيلا في صفوف الكتيبة الفرنسية، وجرح عدد ممن تبقي من بينهم قائد الكتيبة "دَ رَيْ" ومترجمه صمب انجاي. عاد النفر الباقون ممن استطاع الفرار من ساحة المعركة إلى البدر صبيحة اليوم التالي وهو يحملون "دَ رَيْ" مجروحا ومغمى عليه فعكف الكاتب مير (Mr Mère) على معالجته وتولى بعد ذلك قيادة من تبقى من الكتيبة في البدر.

وقد استعادت إدوعيش ما نهب من غلاتها الزراعية كما غنموا الخيل والثيران والسلاح التي تركتها الكتيبة بساحة المعركة أثناء فرارها. وهكذا انتهت معركة درگل بانتصار المقاومة الوطنية ودحر الجيش الفرنسي.

ومما لا شك فيه أن "دَ رَيْ" لم يقرأ ديوان سدوم ولد انجرتو، فلو قرأ تهيدينته الشهيرة في بكار بن امحمد شين أكبر أبناء امحمد شين العشرة لعلم أن لحمى درگل ربا سيمنعه، وخصوصا عند قول سدوم:

بكار ازعيمْ اعرَبْ درگل @ بَدْ اعْل الشعْرَ بي معطاهْ

بَامَلِي المنگورْ امجللْ @ والنظوْ الناعم كانُ جـاهْ

تشكل معركتا الگويشيشي ودرگل معركتان هامتان من معاركة المقاومة الموريتانية ويشكلان بالإضافة إلى معارك أخرى كثيرة جزاءا هاما من ذاكرتنا التاريخية. وأعود للتأكيد على أهمية إنجاز خريطة لمواقعنا اعتمادا على خدمة غوغل المتميزة وبذلك يكن قدمنا إنجازا هاما لتاريخنا.

إعداد الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير
من تاريخ الخيل في موريتانيا
كانت عتاق الخيل في موريتانيا مصدرا للفخر ورمزا للقوة وتجسيدا للسلطة، كانت تعدو في سهول الحوض وتيرس ضَبحا، (...) التفـاصيل

سيدي عبد الله بن انبوجه التيشيتي.. إضافة وتصحيح/سيدي أحمد ولد الأمير باحث موريتاني مقيم في قطر
في مقالتي السابقة تحدثت عن مكتبة الحاج عمر الفريدة أو المكتبة العمرية التي آلت بها المقادير إلى أن أصبحت منذ (...) التفـاصيل

كتاب "امروگْ الحرف".. أول تأليف باللهجة الحسانية/سيدي أحمد ولد الأمير، باحث موريتاني مقيم بقطر
مصدر كتاب "امروگْ الحرف" هي النصوص التي تركها الخلاسي السنغالي القس: دافيد بوالا، والموجود أغلبها بأرشيف (...) التفـاصيل

التسلح في موريتانيا في القرن 19.. مكاسب التجارة ومخاوف السياسة
اطلعت على الكثير من المراسلات التي تمت بين الفرنسيين وبين بعض الأمراء الموريتانيين أو الزعماء، وبين يدي عشرات (...) التفـاصيل

العريف مارت وقرابة ثماني سنوات في محصر الترارزة
قصة العريف في مشاة البحرية الفرنسية "أرنيست مارت" (Caporal d’Infanterie de Marine) في محصر الترارزة، وكيف (...) التفـاصيل

المقــالات