الأرض تنقص من أطرافها / محفوظ السالك
JPG - 4.9 كيلوبايت
تنزيل_74

وفجأة يسكت صوت الشادي المترنم، من بنغماته أرخ لحقبة هامة من تاريخ موريتانيا الحديث، وعلى وقع تلحينه كانت الأجيال تردد النشيد الوطني، من كلمات الراحل طيب الذكر بابه ولد الشيخ سيديا.

سيداتي ولد آبه أحد رموز موريتانيا، صوت جيل الاستقلال، وإحدى الواجهات الثقافية الهامة، ملتزم الفن، وأحد حماة الهوية والتراث، لم يدنس عرضه وخلقه، رغم تقلبات الدهر، "والدهر ذو تقلب لا يدوم على حال".

غنى للاستقلال، وعاش معانيه، وللعملة، وظل عملة نادرة إلى أن رحل في صمت، تاركا البلاد قفارا، ومخلفا تراثا كبيرا من الأدب والثقافة، وهما صنوان عرفت بهما البلاد، التي كان شاهدا على ميلادها، وصنعت على عينيه طيلة عقودها الستة.

ستخلد الراحل تركته الثقافية، ولن ينساه الموريتانيون، لأنه جزء من تاريخهم، والتاريخ لا ينسى، خصوصا إذا كان يرمز للحظة البدء، والتأسيس لمرحلة ما بعد التحرر من ربقة الاستعمار والخضوع.

ف"في البدء كانت الكلمة"، والكلمة المتداولة تظل حية، تتوارثها الأجيال، ويظل أصحابها أحياء، مهما طال الأمد على رحيلهم، وتواروا عن الأنظار، في إغفاءة الكل سيغفوها مهما تطاول باع السن.

وحين تكون الكلمة أنشودة ترمز للحظة الاستهلال، تبقى خالدة، يشدو بها الحاضر اعتزازا بالماضي، وأملا في المستقبل.

لقد كان الراحل سيداتي مؤرخا بفنه لمحطات بارزة من تاريخ موريتانيا، وردد الموريتانيون أغانيه في كل الفجاج من تكانت إلى أقصى نقطة حدودية، وجابت كل الجهات والأماكن، لأنها من المشترك الثقافي، الذي ينفع ويمكث.

لم تكلم في رحيل سيداتي، أسرة ومدرسة أهل آبه التليدة، ولا الأسرة الفنية الموريتانية عامة فحسب، وإنما البلاد كل البلاد، لأن إحدى لبنات تأسيسها انهدت، وصوت التغني باستقلالها، الذي ستحل ذكراه بعد شهرين، قد توقف.

وإذا كانت موريتانيا قد استبدلت في لحظة من لحظات تاريخها، نشيدها كلمات وتلحينا وعزفا، بآخر، مهما اختلف حول ذلك أو اتفق، فإن نشيد باب، وتلحين سيداتي، قد جعلا كلمة باقية في العقب.

سيذكر الراحل سيداتي ولد آبه كل متصفح لتاريخ موريتانيا السياسي والثقافي والفني، فقد تداخلت في أدائه عقود حياته أبعاد السياسة، مع شعب الفن والثقافة.

وإذا كان الراحل قد ترك اسمه خالدا بعد رحيله، سيذكره الذاكرون في بعض المناسبات، العابر منها، وما يستحق التوقف، فإن من حقه على الدولة، التي لحن نشيد استقلالها، أن تبقي اسمه حاضرا بأن يطلق على شارع رئيسي - ومن الشوارع الرئيسية من يحمل أسماء وألقابا لا صلة لتاريخ البلاد بها - أو على مركز ، أو هيئة ثقافية... أو غير ذلك مما يمنحه جميل تقدير، قد لا يكون حصل عليه في حياته.

إن الراحل سيداتي ولد آبه يستحق أن يقدر حق التقدير، فقد مر وهذا أثره من الفن والثقافة والأدب... وحق لمن ذاك أثره أن يقضم الحزن الأفئدة على رحيله، وأن تنقص الأرض من أطرافها بتوديعه.