صدور العدد الثاني من مجلة أنفاس صحراوية

أنجز حر ما وعد ها هي رابطة الكتاب الموريتانيين باللغة الفرنسية تصدر العدد الثاني من مجلتها أنفاس صحراوية Souffles sahariens. إنها بذلك تكون قد ربحت الرهان رغم العقبات الكثيرة التي غالبا ما تعترض المسيرات المنتظمة للمنابر الأدبية من مثل النشرات والمجلات وبخاصة في هذه الأزمنة التي تشهد "انهزاما فكريا" حيث يغدو الالتزام في مجالات الثقافة والأدب دربا من المستحيل. وهكذا فإن هذا العدد يصدر وشعاره؛ الاستمرارية والتعددية والعمق.

وبعد الاستقبال الطيب الذي حظي به العدد الأول والذي أيقظ الضمائر النائمة وبعث الأمل في نهضة ثقافية حقيقية، يأتي العدد الثاني ليجسد التزام كل أعضاء الرابطة من أجل تحقيق أهدافها وفي مقدمتها تنمية الثقافة والأدب. ومن أجل ذلك يجدر بالرابطة أن تضع أسس نقد أدبي قادر على إظهار خصوصيات إبداعاتنا الوطنية ومستندا في ذلك على النقد الغربي وتأثيراته علي حقول النقد في مناطق أخرى عبر العالم. كما أنه علي الرابطة أن تستجيب لنداءات المبدعين الوطنيين الجدد وتوفر لهم الإطار الملائم ومرافقتهم في مسيرتهم الأدبية. ذالكم هو معنى الشعار الذي يرمز له هذا العدد: ألا وهو الاستمرارية. الاستمرارية في مواصلة التفكير وفي السعي لبلوغ أهداف الرابطة واستمرارية في غنى وتعدد المشاركات في هذا العدد.

لا تتمثل هذه التعدية في الموضوعات المطروقة والإبداعات المقترحة فحسب ولكنها تتمثل كذلك في المقاربات الأدبية التي تعالج خصوصيات الأنواع الأدبية. وهي ممارسات بمقاربات مقارِنة تعتمد تقاطع النصوص بغية إظهار وشائج القربى بينها. وتُقرأ هذه التعددية كذلك عبر الآداب الفرانكوفونية المطروقة في هذا العدد والذي يخصص مكانا واسعا للأدب الموريتاني ويعالج الأدب الإفريقي والفرنسي بما فيه الكفاية والنقد الأدبي بشكل عام. وتظهر هذه التعددية بوضوح أكثر في الزاوية المخصصة للإبداع التي تظهر فيها الكتابة المسرحية والقصة القصيرة والشعر بأقلام رجال ونساء كانت قدراتهم قد تأكدت من قبلُ.

وتتضاعف هذه التعددية في الجهود المبذولة لتعميق معالجات المواضيع المطروقة التي تغدو المجلة بحسب المنشورات مكانها المفضل. وهكذا تظهر رسالة المجلة التعليمية في التذكير وبصورة مطولة بالنظريات السردية وسنن المناهج التأويلية للنصوص الإبداعية كما نظّر لها المختصون في تلك المجالات. ويعنى ذلك بالنسبة للقائمين على المجلة تسهيل وتبسيط تلك المناهج والنظريات ووضعها بين يدي القراء والمبدعين، وهم بذلك يقدمون الخصائص الفنية للكتابة الإبداعية. إن المقاربات النقدية المطبقة هنا – والتي هي امتداد للدراسة التي تتصدر العدد وهي الدراسة التي توضح حدود النقد الغربي - تسمح برؤية مختلف المناهج النقدية السائدة وطرق توظيفها. فمن المقاربة التاريخية والموضوعاتية مرورا بالمقاربة المقارِنة التي تستند على مناهج التناص - تقترح المقاربات كذلك ضرورة مساءلة الشفاهية كأفق لانتظار الأدب الإفريقي الفراكوفوني. وسيكتشف قارئ هذا العدد الثاني تلك الأبواب الأثيرة للمجلة: دراسات نقدية وقراءات، فأخبار أدبية ومن ثم إبداعات. ففي باب الدراسات النقدية توجد خمس دراسات معمقة. تقترح هذه الدراسات معالجات مفصلة لبعض ملامح الأدب والنقد. وهذه الدراسات تظهر أصالتها عبر المقاربات المستخدمة لمعالجة المواضيع المطروقة. فالدراسة التي تتصدر العدد التي تحمل عنوان المؤثرات الغربية علي النقد العربي الجديد والموقعة من طرف محمد بن بوعليبة بن الغراب رئيس الرابطة وتتنزل في صميم تخصص الناقد. فهو يقوم من خلال مقاربة مقارِنة ليعالج تأثيرات النقد الغربي علي النقد العربي وهي تأثيرات تقوم علي التأثيرات المتبادلة. وهذه المقاربة لا تقوم إلا علي دراسة ظواهر التأثير الأدبي عبر تاريخه والتاريخ بشكل عام، التاريخ الذي سمح عبر الحروب والفتوحات والأسفار لهذه الآداب بأن تلتقي وبالتالي تكتشف الآداب مخيال بعضها البعض وخاصة إبان القرن التاسع عشر العربي الذي عرف فيه الأدب العربي في كل من لبنان ومصر الأدب الإنكليزي والألماني والفرنسي.

يظهر كاتب هذه الدراسة الأهمية القصوى للترجمة التي سهلت دخول الأنواع الأدبية مثل الرواية والمسرح والشعر الجديد وهي أنواع كانت خارج الابتكارات العربية منذ ظهور الإسلام. وبطبيعة الحال حملت هذه الأنواع عند دخولها إلي العالم العربي مناهجها النقدية والتي عرفها طه حسين بشكل دقيق خلال إقامته في فرنسا وقد استوحى منها منهجه النقدي الذي أثار ضجة عند قدومه. ومن هنا ازدهرت المناهج الدغمائية المتأثرة بغوستاف لانسون، وسنت بوف ووظفت تلك المناهج على الإبداعات الروائية الجنينة يومها.

وقد أدخلت المناهج الماركسية بعد ذلك إلي العالم العربي مثل نظرية الانعكاس والواقعية المتزامنتان مع الثورة الاشتراكية والنظرة الجديدة للكاتب والدور المنوط به في المجتمع. كما تأثر النقد العربي بالتغيرات الأحدث على النقد الغربي الذي يستند علي الألسنية (البنيوية، والمنهج الشكلي) وتأثرت الحركة الشعرية العربية بشكل كبير بما عرف بالشعر الحر وانتجت شعرا عربيا مدينا لتلك التغيرات الأدبية الغربية في تطوره. وعن موضوع التأثيرات يطرح كاتب الدراسة كذلك قضية استقبال الأدب وهي إشكالية ظلت حاضرة بين عينيه عبر كل دراسته. وهذه النظرية أي نظرية الاستقبال مع نجاعتها تطرح إشكالية مصطلحاتها إذا ما ترجمت إلي اللغة العربية، ومثلها مفاهيم المناهج السردية. أما الدراسة الثانية في هذا العدد فقد تم توقيعها من طرف ممدو بن دحمد وتحت عنوان: كمباترستا (بكاف معقودة) فيكو أو اغتصاب الخطاب الإفريقي: الشفاهية نظرية وتطبيقا. ويقوم الكاتب بتأمل حول إشكالية الشفاهية ومدى انغراسها في الأعمال المكتوبة من خلال الأدوات النصية. وهو يظهر أن تيار التجديد في الفكر الإفريقي يريد إعادة إحياء التقاليد وجعلها نموذجا ابستمولوجيا ونظاما تأويليا. وهذا التيار الذي ينمو داخل العلوم الإنسانية يحمله بقوة شخصان ناقدان وهما ممادو كان وجرج انكال (بكاف معقودة). يتوقف كاتب البحث مطولا حول تنظير هذا المفكر الأخير والذي بنى آراءه حول الشفاهية عبر ندوات وكتب. ولكن هذا المفكر أراد خاصة تجسيد ما هو إلي حد الساعة نظريا بنشره رواية أراد لها أن تكون تطبيقا لنظرياته وعبرها تتم محاولة " توحيد الشفهي مع المكتوب". إن تحليل هذه الرواية قد سمح لممدو ولد دحمد لكي يعود إلي مدى الشفاهية، وأنواعها وطائق إدراجها في الرواية وأدوات تتبعها والاضطرابات التي قد تحدثها. أما ديا الحسن فهو يقدم لنا تحليلات أدبية تجمع بين المقاربة التاريخية والمقاربة الموضوعاتية وذلك بغية إعطائنا الملامح المميزة للأدب الموريتاني مستوحاة من سلسلة الأحداث التراجيدية التي عاشها المكون الزنجي خلال سنوات الغضب والعنف وذلك عبر المقال الثالث الذي حمل عنوان: الأدب الفراكوفوني الموريتاني عبر معيار سنوات الجمر من التاريخ الوطني. وبعد أن بين كاتب المقال أن كل أدب هو وليد الظروف التاريخية والاجتماعية أظهر كيف أن الإنتاج الأدبي الموريتاني قد تضاعف ما بين سنة 1986 وسنة 1991 وقد كان هذا الأدب مطبوعا بالأحداث التي هزت وبقوة الضمير الوطني. وقد تعرض هذا الإنتاج الأدبي لموضوعات حساسة مثل موضوع الهوية الذي أثارته المواجهات، وموضوع الرفض والحرمان، ومن هنا تبنى الهوية ويعاد بناؤها علي أسس سياسة واختراعات ميتولوجية، وإعادة بناءات هوياتية بناء علي أساطير الاستيطان والغزو. كما تتعرض هذه الأعمال للتاريخ الحدثي متناولة النظم الاستبدادية التي لا تثني الكتاب عن كتابة أحلامهم من أجل موريتانيا متصالحة مع ذاتها. وفي مقال عنونه الناقد الأستاذ ممدو كاليدو با بـ : كيمياء العناصر الغير- لغوية أو اللغة الفرنسية وتحدى التعبير عن "الأنا" الفلاني فى قصة حارس المعبد للشيخ حامدو كان. لقد قام الناقد الأستاذ ممدو كالدو با بنزع رموز التداخل البنيوي والوجودي في رواية الشيخ حامدو كان الثانية. وإذا كان الشيخ حامدو كان قد ترك صورة لا تمحى للكاتب الإفريقي الذي يمتلك ناصية اللغة الفرنسية أسلوبا وتعبيرا فكريا، ومنطقا وبعدا فلسفيا، من خلال روايته الأولى المغامرة الملتبسة، فهو يظهر وكأنه مهموم بهاجس التعبير عن "أناه" والتي لا تعدو كونها استعارة عن الروح الفلانية الإفرقية المسلمة عبر لغة يشعر دوما بمقدرته على التعبير بأريحية بها وعليه ليٌّها وتطويعها لكي تعبر عن التواءات الخصائص الوجودية. إن الرواية التي هي عمل مكتوب له سننه كان لا بد له من قبول معايير الشفاهية تلك المعايير وحدها هي القادرة على التعبير عن الخصائص الإفريقية. هذه الشفاهية نلمس تمثلها إن لم نقل الدفاع عنها من خلال "القيمين" عليها ألا وهم المطربون، الذين يسيطرون على الفضاء المتخيل للرواية. والناقد في استقصاءاته يستدعي في الوقت المناسب نظريات الحوار والتناص لكي يتعقب التداخل بين هذه اللغة "المستقبلة" ويعني الفرنسية واللغة الأولى ألا وهي لغة الفلان الديالوبى. أما الناقد المتخصص في الأدب الموريتاني باللغة الفرنسية أمبو ستا دياغانا فقد قام بأخذ منهج المقارنة لكي يبين وشائج القربى والاختلافات بين نصين رئيسيين من الأدب الموريتاني عبر مقال عنوانه: من نص لآخر خرافة وغادو كما يراها سياتيبرى لموسى دياغانا وقصة بيروك وأبت السماء أن تمطر قصتان متوازيتان ومصائر متقاطعة. ورغم صعوبة عقد المقارنة بين نصين ينتميان إلى نوعين أدبيين مختلفين (المسرحية والقصة) ورغم تعرضهما لموضوعات مختلفة كاتاريخ القديم خاصة والأساطير المؤسسة من جهة والتاريخ القريب والمجتمع البدوي وتقلباته من جهة أخرى، فإن كاتب المقال يحرص على إبراز عدد غير قليل من التشابهات. وهذه التشابهات تظهرها معالجته الأسلوبية للشعر ولجيوب الأسلوب الساخر المبطن وهو وحده القادر على ولوج الفضاءات التراجيدية التي تطبع الفضائين. إن العملين ليرمزان لمآثر خارقة تمثلهما الوجوه النسوية تلك الوجوه الضحية والخاضعة للقدر ولمصير يقرره الرجال العمي. لا تجد هذه الوجوه عزاءها إلا في ثورتها والصداقة التي تتقاسمها مع المجانين، وهم أشخاص مثمنون لأنهم يقومون بتعرية الاعتباطي كما أنهم يمثلون مكانا تتركز فيه قيم الحب التي هجرت هذه العوالم. والنصان يعرضان تأملا عميقا في عالمين سائرين في تحول وتحكمهما سلط استبدادية مهزوزة غاية. أما باب قراءات فيضم سلسلة من القراءات المتنوعة. فهذا محمد بن بوعليبة بن الغراب يتقاسم مع القارئ مجموعة من التأملات حول النظريات الأدبية. حيث يبدأ بشعرية جيرار جنت حول السرد وتأملات جرالد ابرنس لبعض الصيغ الأسلوبية من مثل الخطاب الإسنادي وتأملات تودوروف حول السرد في ألف ليلة وليلة. أما إدوم بن محمد الأمين عباس فهو يقترح تحليلا مكثفا لرواية مطرب الأمير لامبارك بن بيروك. وفي نفس السياق يعطي محمد بن بوعليبة بن الغراب تقديما لكتاب ممدو ولد دحمد نظرة على الأدب الموريتاني المكتوب باللغة الفرنسية دراسات نقدية، وهو كتاب صدر مؤخرا عن دار جسور للنشر. لقد صدر العدد الثاني من أنفاس صحراوية بعد حدث مؤلم ألا وهو فقد الكاتب موسى دغانا. وقد أردنا أن يكون باب الأخبار الأدبية بمثابة تأبين لهذه الشخصية الوطنية الكبيرة، وقد قام الناقد والأستاذ دياغانا أمبو ستا بتأبينه عبر مقال ذكر فيه مناقب الفقيد رجل الثقافة وعلم الاجتماع. وفي نفس الباب نجد الناقد ممدو ولد دحمد يقوم بقراءة لكتابين صدرا مؤخرا عن دار جسور للنشر وهما: شرود جمل أو عندما تقرر قبائل بدوية خلق دولة حديثة والكتاب الثاني لدلج أنياي دينغ وعنوانه بتاري أنكاري دوتال: تربية من نوع تربية أسبارطة.

وهذا التأبين قد تواصل في باب إبداع حيث نشرت للكاتب الفقيد مقطوعة شعرية مهداة إلى ولده وفيها عبر وحكم ومزايا الشرف وعنوانها: لا تنس اسمك، كما نشرت له في هذا العدد مسرحية على لسان شيخ مليئة بالدعابة والتعليم والغاية منها تعليمية، وقد حملت عنوان: اليوم الذي يصبح فيه الأطفال آباء والآباء أطفالا. ويفتتح باب الإبداع بقصة قصيرة من أدب العجب والرمز للكاتب إدومو ولد محمد الأمين عباس حملت عنوان: طفل الواحة. وقد خصص مكان في هذا الباب للشعر الجميل. وسيكتشف القارئ شعر مهدى ولد ملاي الحسن وأشعارا غنائية تشابه التبراع في اللهجة الحسانية للشاعرة عائشة بنت أحمدو، وأشعارا حزينة تكاد تكون رثاء للشاعر أنجاك. إن أعضاء رابطة الكتاب الموريتانيين باللغة الفرنسية لينتهزون هذه الفرصة ليشيدوا بالزخم التضامني الذي عبر عنه عند انطلاقة هذه المجلة. وهم يعبرون لشركة تازيازت عن امتنانهم العميق واعترافهم المستحق لمساعدتها لهم على إخراج هذه الأعداد من المجلة بشكل مقبول. ويشكرون كل من ساهم من قريب أو بعيد في تشجيع فريق التحرير لإنجاز هذا المشروع. ولا يسعنا في هذا الطور من مسيرة هذه المجلة إلا أن نشكر الناشر جسور الذي ظل سندا للرابطة لإنجاز هذه الأعمال النشرية. كما لا يسعنا إلا أن نشكر القراء الذين وصلتنا أصداء عن انطباعاتهم الطيبة وتشجيعهم لنا بغية المضي في هذا المسار. وإننا لمغتبطون لأن فريقا من القراء قد أصبح ينتظر بل ويطلب منشوراتنا الجديدة ونتمنى أن نظل على مستوى انتظاراتهم. هيئة تحرير أنفاس صحراوية